السيد كمال الحيدري

23

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

فإن قيل : إنَّ اللفظ عادة ما يُوضع للمعنى ، فهل المعنى هو المفهوم نفسه أم شيء آخر ، وما هو ذلك الشيء الآخر ؟ فجوابه : أنَّ المفهوم بلحاظ كونه حاكياً للفظ فهو معنى ، والمعنى بلحاظ كونه محكياً عن المصداق فهو مفهوم ، فهما واحد والاختلاف بالاعتبار لا غير . وعلى أيّ حال ، فإنَّ فلسفة مثل هذا الجعل هي تسهيل عملية التفاهم المتعذّرة أو المتعسّرة من خلال الواقع مباشرة ، وقد ذكر الغزالي في بيان حدّ الاسم اللفظي وحقيقته : ( أنَّ للأشياء وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في اللسان ، أما الوجود في الأعيان فهو الوجود الأصلي الحقيقي ، والوجود في الأذهان هو الوجود العلمي الصوري ، والوجود في اللسان هو الوجود اللفظي الدليلي . . . فالقول دليل على ما هو في الذهن ، وما في الذهن صورة لما في الوجود مطابقة له . . . فإذن اللفظ والعلم والمعلوم ثلاثة أمور متباينة لكنها متطابقة متوازية . . . وكيف لا تكون هذه الموجودات متمايزة ويلحق كلّ واحد منها خواصّ لا تلحق الأخرى . فإنَّ الإنسان مثلًا من حيث إنه موجود في الأعيان يلحقه أنه نائم ويقظان وحيّ وميّت وقائم وماشٍ وقاعد وغير ذلك ، ومن حيث إنه موجود في الأذهان يلحقه أنه مبتدأ وخبر وعامّ وخاصّ وجزئيّ وكلّي وقضية وغير ذلك ، ومن حيث إنه موجود في اللسان يلحقه أنه عربي وعجمي وتركي وزنجي وكثير الحروف وقليلها وأنه اسم وفعل وحرف وغير ذلك ، وهذا الوجود يجوز أن يختلف بالأعصار ويتفاوت في عادة أهل الأمصار ، فأما الوجود الذي في الأعيان والأذهان فلا يختلف بالأعصار والأمم البتّة . . . - فالحاصل - إنَّ الاسم إنما يعنى به اللفظ الموضوع للدلالة ) « 1 » ، ومن البداهة

--> ( 1 ) المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ، لأبي حامد الغزالي : ص 18 - 20 . .